مقتطفات صحفية

 الإقتصاد الوطني في عين العاصفة! 

 
 

بقلم د. ماجد منيمنة - اللواء

إن النمو الإقتصادي المتوقع في البلاد سيكون صفرا في عام 2014هذا إذا ما سجل سلبي وذلك مع إستمرار تداعيات الأزمة السورية, حيث أن لبنان بحاجة إلى 2.6 مليار دولار لدعم الميزانية ولامتصاص تأثير الحرب السورية على الإقتصاد الوطني. كما يستضيف لبنان ما لا يقل عن مليوني نازح ومقيم سوري مما يشكل عبئا إضافيا على مستشفياته ومؤسساته التعليمية ويشكل حتما عبئا إضافيا على ميزانية الدولة. وجاء في دراسة للبنك الدولي الشهر الماضي أن الكلفة التقديرية الإضافية لمساعدة النازحين هي حوالي 900 مليون دولار سنويا، كما أن الحرب السورية قد قلصت نمو الإقتصاد اللبناني الذي كان على نسبة 2.85% وسوف يتضاعف معدل البطالة ليصل إلى أكثر من 40% وسوف يزيد العجز المالي في لبنان المثقل بالديون.
كما أن الدعم المالي الذي كان يأتي إلى الحكومة اللبنانية هو أيضا توقف من عدة جهات, خاصة من الدول المانحة التي حجبت المساعدات بسبب المقاطعة السياسية للحكومة الحالية, كما أن هناك دولا تطالب بأن تكون الحكومة العتيدة على صلة قريبة منها ليكون لديها تأثير مباشر على رئيسها ووزرائها. كما يعاني قطاعا السياحة والبناء وهما داعمتان أساسيتان للإقتصاد من آثار الصراع في سوريا وإنتشار العنف وعدم الإستقرار السياسي, كما أن الإتهام المباشر للخليجيين بأعمال إرهابية كله هذا أثر على الإستثمارات وعلى الإيرادات الداعمة للإقتصاد الوطني الذي هو بحاجة إلى 2.6 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات بدءا بضخ 450 مليون دولار لدعم التعليم والمستشفيات والحالات الإجتماعية الملحة. كما يبلغ الدين العام ما يناهز 61 مليار دولار أو نحو 138 في المائة من إجمالي الناتج المحلي وسوف تلجأ الدولة اللبنانية من جديد إلى إصدار سندات دولية لتغطية عجز الإقتراض بفوائد مرتفعة وتحت خطر عدم إكتتاب المصارف المحلية والدولية.
إعتقدنا بأن حكومة اللون الواحد ستقودنا إلى الإزدهار والتنمية والإعتماد على الذات في مواردنا المالية، ورأينا عبر وسائل الإعلام خططا تنموية وفق الإدارة العصرية المبنية على المنهج العلمي والشفافية والعدالة، إستبشرنا خيراً وقلنا لأنفسنا أن هذه بدايات قد تكون واعدة وأن خطوة الألف ميل لبناء إقتصاد منهار قد بدأت. وطال بنا الإنتظار حتى وجدنا نتيجة عكسية تماماً، فلا رفاهية ولاشفافية ولا أي خطة تبشر بمستقبل مشرق، صدمنا ونحن نرى أنفسنا نسير في الأوحال وتبتلعنا الرمال المتحركة. والحديث عن التغيير والإصلاح توج بديكور براق على جسد متآكل من الداخل يوشك على الإنهيار، فكلما تداولنا الأسماء والكوادر في المؤسسات الرسمية ينتابنا شعور بأننا نحتاج إلى شخص يصحح البوصلة للتعامل مع هذه المؤسسات ألا وهو «علي بابا». نعم نحن نحتاج إلى «علي بابا» ليوقف مهزلة التدمير الإقتصاد الذاتي وتحطيم الحلم الذي كنا نترقبه وهو كان ينمو من أمامنا قبل عام 2005. كما أن الفساد الذي اجتاح معظم أركان المؤسسات الوطنية والرسمية التي لم تدخر جهداً في تدمير الإقتصاد الوطني بأسلوب يكاد يكون ممنهجاً عبر تجفيف المنابع الحقيقية المدرة للدخل وبعثرة ثرواتنا الوطنية التي هي بالأساس متواضعة بدلاً من تنميتها لخدمة المجتمع المدني وقطاع الأعمال, بل هي تساهم في دعم الأحزاب والميليشيات المسلحة. وهذا الفساد أكدته «منظّمة الشفافية الدولية»، التي تعنى بمكافحة الفساد، حيث احتل لبنان المركز 127 عالميا و13 على صعيد إقليمي لجهة الفساد في القطاع العام. وكنا قد سمعنا كلاما عن الاصلاح والتغيير والتنمية المستدامة والإدارة والحكومة الإلكترونية وتطويرا ومشاريع إنمائية من هنا وهناك، بينما على الأرض نرى ثرواتنا تتآكل بسرعة رهيبة ومؤسساتنا الوطنية تدمر ليضاف إليها جيش من البطالة مؤلف من آلاف من الخريجين الجامعيين والمهنيين. على ورق المحاضرات تكتب كلمات براقة حول الإستثمار وعلى أرض الواقع حكومة تدمر القطاع الحكومي وتساهم برفع البطالة إلى ما يفوق 40%. هل هي تلك السياسات العلمية الواعية لبناء الوطن؟ لقد بدأت تتحول المصانع والشركات المحلية من عمود فقري ورافعة للتنمية إلى أشباح وأحياناً مطاردين لتلك الحكومة التي تهرب من إلتزاماتها تجاههم وفي نفس الوقت توجه حرابها الضريبية نحو صدورهم. يتكلمون عن إقتصاد وطني حر ومنفتح في الوقت الذي تكتسح صناعتنا الوطنية البضائع من كل حدب وصوب ولا يبقى للمصنع الوطني غير البكاء على رأس ماله. يتحدثون عن حكومة تكافؤ الفرص والشفافية والنزاهة وسيادة القانون، وفي المقابل نسمع عن وزراء ومسؤولين فاسدين وإختلاسات وتبييض أموال ورشاوى وسلع في الأسواق منتهية الصلاحية وأدوية فاسدة ومخدرات، خاصة وأن معظم هؤلاء الفاسدين المفسدين كانت سمعتهم تسبقهم في تلك الأعمال قبل تعيينهم وتكليفهم؟ اذاً فلماذا اتيتم بهم من الأساس؟ فإذا كنتم تعلمون حقيقتهم مسبقاً فهذه مصيبة حقاً ولكن إذا كنتم لاتعلمون فهذا مصيبة أعظم!!. فأين اللجان النيابية وأين المجلس التأديبي وأين مجلس الخدمة المدنية وأين ديوان المحاسبة وأين المدعي العام المالي والتفتيش المركزي للقضاء على أعمال هؤلاء التي تترجم على أرض الواقع بفوضى وعشوائية، فمشاريع تطرح دون مناقصات وبالتراضي ومن دون أدنى رقابة وميزانيات تصرف لمشاريع تذهب في ماليتها في أمور أخرى وعلى رأي المثل الشعبي كله على طريقة «تلبيس الطرابيش», نتدين من هنا لنسد هناك فتتراكم الديون أكثر والفوائد أكثر لتصل إلى مرحلة إعلان الإفلاس وحينها لا يعلم أحد كيف أتت الأموال وكيف صرفت وإلى جيوب من دخلت!!.
و نقول سحقاً لهذه الإدارة الرسمية التي كل ما تمخض عنها هو فساد وبطالة وتدمير للإقتصاد ومقوماته الحقيقية!!. يتشدقون بالحديث عن الوطن وحماية مكتسباته وتعزيز صموده وعلى أرض الواقع إنقسام يتجذر بين أهل الحكم وصفقات مالية وعقارية وعلاقات مشبوهة وغامضة ومصالح شخصية تحكم تلك العلاقات في الوقت الذي أصاب إقتصادنا فقر مزمن ومرافق تتآكل والناس يفرون إلى أي مكان بعيداً عن الأرض التي كانت تسكن أحلامهم حتى حولتها حكومة الميقاتي المستقيلة إلى أرض كوابيس. واليوم يتكلمون عن تعويم هذه الحكومة وكأن هذه الحكومة أقامت المعجزات!!. ونحن نقول أن المواطن الصالح باق كالصخر على صدر كل مسؤول فاسد وأن هذا المواطن لن يتخلى عن أحلامه وآماله وطموحاته وكرامته وإنسانيته ووطنيته. ومن هنا أناشد كل مواطن, صادق مع نفسه وملتزم بهويته الوطنية اللبنانية أن يرفض إعادة تعويم هذه الحكومة العاجزة والتي تنضح بالفسادو بالرد عليها بالشارع وبالعصيان المدني.
وإذا كان من البديهي أن الوضع الأمني يعتبر من أهم معوقات إيجاد الحلول أو معالجة موضوع تأمين إحتياجات الإقتصاد، فإنّه لا يجوز أن ننتظر توفير الأمن لنقوم بهذه المهمة الوطنية المطلوبة. ومن هنا لا بد من أن يشعر الجميع بأننا في حالة غير طبيعية، وبالتالي يجب أن نبحث عن حلول إستثنائية. ولا بد من إطلاق المبادرات والتفكير بالحلول السريعة والآنية لتجاوز المسألة السورية من خلال إجراءات خلاقة لا يعيقها الروتين أو البيروقراطية.و بعدما وصلنا إلى ما وصلنا إليه، المسألة أصبحت تتطلّب مواجهة صريحة وشفافة، فإذا لم نقض على الأسباب والمسببات فلن نستطيع تلمّس الحلول الناجعة, ومعالجة «السياسات الاقتصادية والوضع المعيشي للمواطن»من خلال إدارة الأزمة، باعتبار أن الوضع المعيشي للمواطن هو من أهم أسباب الأزمة من جهة، ومن أهم عوامل الخروج منها من جهة ثانية، مع تركيز الجهود لمواجهة متطلّبات النازحين الذين إضطروا إلى مغادرة مناطقهم. أما ما تبقى من حلول وسياسات إقتصادية فهي تنطلق من مبادئ وأساسيات تدور حول إستعادة دور الدولة الإقتصادي من خلال حكومة موحدة تمثل كل اللبنانيين، وتتكامل مع سياسات أخرى أهمها التطهير الإداري من الفساد المستشري في الإدارة الرسمية!!.

* خبير مالي ومحلل اقتصادي.
* دكتوراه في المالية الدولية.