الأخبار

 كلمة رئيس الاتحاد في المؤتمر الدولي حول الشرق الأوسط Marseille  

 
 

كلمة رئيس الاتحاد العمالي العام في لبنان الدكتور بشارة الأسمر
في اللقاء التضامني حول «أي مقاومة، أي وحدة دولية في الشرق الأوسط وجنوبي أوروبا لتحقيق التقدم الاجتماعي»
الذي ينظمه الاتحاد العالمي للنقابات WFTU والاتحاد العام للشغيلة في فرنسا CGT
 Marseille - فرنسا، 13 -15 كانون الأول 2017

- الصديق العزيز جورج مافريكوس – أمين عام الاتحاد العالمي للنقابات WFTU،
- حضرة أمين عام الاتحاد العام للشغيلة في فرنسا CGT،
- حضرة أمين عام الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب،
- رؤساء الاتحاد وأعضاء الوفود المشاركة،
- السيدات والسادة،

ليس جديداً على الاتحاد العام للشغيلة في فرنسا ولا على الاتحاد العالمي للنقابات إطلاق المبادرات الخلاقة والعملية للتصدي للمعضلات التي تعترض نضال عمال العالم. لكن هذه المبادرة اليوم تمتاز بخصوصية هامة سواء من قبل الداعين لها أو المدعويين للمشاركة فيها، أم لناحية زمان انعقادها في هذه اللحظة من تفاقم الإرهاب والأزمات الاقتصادية في وقتٍ واحد، وأخيراً لأنها تقام على الساحل الفرنسي الذي يربط ضفتي المتوسط بما تختزنه حضارات قديمة في تاريخ البشرية كما أكّد عليها خصوصاً في كتاباته شيخ المؤرخين «فرناند بروديل» في مؤلفه الرائع «المتوسط والمتوسطيين»

فشكراً لكم لتنظيمكم هذا اللقاء البالغ الأهمية وأملنا أن نخرج بتوصيات عملية تشكل خارطة طريق لنا جميعاً في كفاحنا من أجل مستقبل أفضل لبلداننا وعمالنا وتحفّز حركتنا النقابية نحو المزيد للارتقاء بمجتمعاتها.

السيدات والسادة،
 إنّ المقاومة، أي مقاومة في التاريخ لا تنشأ في فراغ ولا من فراغ. فلطالما كانت المقاومة رد فعل على الاحتلال أو الظلم والاستبداد أو على الإفقار والتهميش وكانت لكل مقاومة وسائلها وأدواتها وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فإننا نذكّر هنا بالمقاومة الفرنسية الشعبية الباسلة التي دحرت الاحتلال النازي في الحرب العالمية الثانية وساهمت بشكل أساسي في تحرير البلاد.

 وبالعودة إلى طبيعة الصراع ونشوء الإرهاب بصيغه المختلفة في بلداننا العربية وعلى ضفتي البحر الأبيض المتوسط، فإننا نعتقد جازمين أنّ أصل العلّة كان إنشاء كيان عنصري ديني وعسكري وإرهابي قام عام 1948 على حساب حق تاريخي للشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه. فمارس ولا يزال إرهاب الدولة قبل أن يشهد العالم إرهاب المنظمات المتطرفة التي تلبس لباس الدين وهي منه بريئة كل البراء حيث جميع الأديان تدين القتل والعنف واستباحة حياة الإنسان. وفي اعتقادي أيضاً أنّ كل الأورام الخبيثة التي نعرفها اليوم ليست سوى نتاج السرطان الأصلي الذي يشكله الكيان الصهيوني في منطقتنا.

 وبدلاً من معالجة هذا الخطأ التاريخي وتداعياته التي تجسدت بالمزيد من الحروب والاحتلال والعدوان على شعوبنا ها هو رئيس الدولة التي تزعم أنها قائدة «العالم الحر» السيد «دونالد ترامب» يفتتح مرحلة جديدة وقاسية من النزاعات الدموية باعترافه بمدينة القدس عاصمة للكيان الصهيوني وقراره بنقل سفارته إليها رغم أنف العالم أجمع.

إنّ كلّ ذلك يؤكّد أيها السادة أنّ إسرائيل ليست سوى آخر قلعة مزروعة للاستعمار في المنطقة ويعمل على تدمير شعوبها ومنعها من التقدّم ويمدّ كيان الاحتلال بكل أسباب العنف والاستقواء.

الصديقات والأصدقاء الأعزاء،
 أمّا في موضوع الإرهاب الأصولي والتكفيري الذي يضرب منطقتنا العربية ويمتد إلى ما بعد ضفتي المتوسط ليطال شمالي أوروبا وأميركا واستراليا فضلاً عن أفريقيا... فأسمح لنفسي باجتزاء بعضاً من النص المحكم الذي جاء على لسان رئيس جمهوريتنا العماد ميشال عون في الكلمة التي ألقاها في Rome Med الذي انعقد في روما في 30 تشرين الثاني 2017 أي قبل أقل من شهر وجاء فيها:

«عوامل عدّة تتضافر وتمهّد الطريق لنشوء الإرهاب، أولها نظام تعسفي، بديموقراطية زائفة أو ديكتاتورية معلنة، لا يجد فيه المواطن فسحة للتعبير أو مكاناً لتغيير السلطة بالطرق الديموقراطية، معطوفاً على الفقر والحاجة والجهل، ثم فكر متطرّف وتعصّب يحرّك الغرائز ويقتل العقل ويشلّ المنطق ويقدّم الحلول الوهمية فيسهّل التطويع. ثم دولة، أو دول، تستغل كل هذا فتموّل وتدعم وتستولد إرهاباً جديداً، بمسمّى جديد وتستخدمه لتحقيق مصالحها عبر ضرب دول أخرى باقتصادها، بأمنها، باستقرارها غير آبهة بالعذابات التي قد تسببها لشعبوها».

 إنّ فخامة الرئيس ينتقل من هذا التوصيف المكثّف ليشير إلى أنّ المعالجة الأمنية على أهميتها وضرورتها لا تكفي وحدها لمحاربة واجتثاث الإرهاب ليركّز على تحديث التعليم والتربية والقيم الديموقراطية.

السيدات والسادة،
 إننا في لبنان، هذا البلد الصغير الحجم والقليل بعدد السكان استطعنا بفضل وحدتنا الوطنية على الرغم من اختلافاتنا السياسية وبفضل جيشنا الوطني وعقيدته القتالية وكذلك بفضل المقاومة الوطنية التي هي امتداد لمقاومة العدوان الإسرائيلي والمحتضنة من الشعب اللبناني أن نواجه الإرهاب التكفيري داخل الحدود اللبنانية في أطراف البلاد الشمالية والشرقية كما استطاعت أجهزتنا الأمنية من تفكيك خلايا هذه المنظمات الإرهابية بكفاءة مميزة.

 ولقد وقف الاتحاد العمالي العام ممثلاً لعمال لبنان جميعاً ومعه كافة المنظمات الشعبية والمدنية إلى جانب الجيش اللبناني وجانب المقاومة وهو يقف اليوم كأحد المتاريس التي تحمي الأمان والاستقرار الأمني والاقتصادي والاجتماعي.

الرفيقات والرفاق،
 لطالما شكّل التحالف والتضامن والعمل الموحّد بين العمال ومنظماتهم النقابية أساساً متيناً ليس فقط في الدفاع عن قضاياهم ومطالبهم، بل أساساً في الدفاع عن قيم الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان الأساسية. وها نحن نجتمع تحت مظلة اتحاد النقابات العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية حاملاً راية كفاح الشعوب من أجل التحرر والاستقلال والتقدّم الاجتماعي. وقدّم نموذجاً للعمل والتضحية والنضال في سبيل هذه المبادئ العظيمة. ونحن نستطيع معاً مجابهة كل المخاطر القائمة والقادمة إذا ما أحسنّا التنسيق والتضامن وأساليب العمل وأدوات النضال.

السيدات والسادة،
 إنّ الوضع الاقتصادي والاجتماعي في لبنان شديد الصعوبة، فالبلاد ترزح تحت دين خارجي وداخلي يفوق المائة مليار دولار وهو رقم ضخم على بلد لا يتجاوز الناتج المحلي السنوي فيه ال 40 مليار دولار. وإذا كان فساد السلطة والتركيبة السياسية القائمة على تبادل المنافع بين أمراء الطوائف مع أركان النظام الاقتصادي الريعي المستفيد من الريوع المالية والعقارية والشركات الاحتكارية في مجال التجارة. فإنه لم يكن ينقصنا سوى الوصفات الخبيثة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي أطاحت بدول وشعوب وباقتصادياتها ولنا ولكم في هذا المجال أكثر من مثال من أميركا الجنوبية إلى جنوبي أوروبا.

 إننا نواجه هذه الأزمة من موقعنا في الاتحاد العمالي العام بالعمل لتعديل وتصويب «العقد الاجتماعي» المفترض أنه قامت على أساسه الدولة الحديثة بعد الثورة الفرنسية وبعد الحربين العالميتين خصوصاً.

 فمقابل التسليم بحق الدولة باحتكار العنف وجباية الضريبة والدفاع عن الحدود والأمن، هناك واجبات أساسية على الدولة تتمثل بتأمين حق العمل والسكن والتعليم والحق بالصحة، وهذا بعضاً من حقوق المجتمع على دولة الرعاية الاجتماعية.

 إنّ الاتحاد العمالي العام يضع مطالب وتوجهات جديدة في هذا المجال، ويتجه إلى تنظيم مؤتمر وطني يتناول فيه جميع هذه القضايا ويخلص إلى رؤية اقتصادية واجتماعية تكوّن خريطة طريق عملية لاتحادنا وأعضائه ولباقي شركائنا في المجتمع اللبناني.

 نشكر لكم استماعكم ومتابعتكم وقبل ذلك تنظيمكم لهذا اللقاء التضامني.

رئيس الاتحاد العمالي العام في لبنان
        د. بشـارة الأسمـر